الشيخ محمد رشيد رضا
374
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
يحتمله في اللغة بشرط موافقته للشرع ، لتخرج تأويلات الباطنية وغلاة الصوفية وقد جمع الرازي كعادته كل ما رآه محتملا من هذا التكذيب في خمسة وجوه ( 1 ) تكذيب قصص القرآن وذكر لها ثلاث صور ( 2 ) حروف التهجي في أوائل بعض السور إذ لم يفهموا منها شيئا ، وزعم أن اللّه أجاب عنها بآية آل عمران في المحكمات والمتشابهات ( 3 ) ظهور القرآن منجما شيئا فشيئا ( 4 ) أخبار الحشر والنشر ( 5 ) العبادات قالوا إن اللّه مستغن عن عبادتنا . وكل هذه الوجوه باطلة لا يحتمل إرادة شيء منها إلا الرابع ، وفسر عدم إتيانهم تأويلها بجهلهم حقيقتها وحكمها ، وهو باطل وناهيك بحملها على الحروف المفردة في أول السور وهي ليست بكلام فيكذب أو يصدق . ثم قال : « قال أهل التحقيق قوله ( وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ) يدل على أن من كان غير عارف بالتأويلات وقع في الكفر والبدعة لان ظواهر النصوص قد يوجد فيها ما تكون متعارضة فإذا لم يعرف الانسان وجه التأويل فيها وقع في قلبه أن هذا الكتاب ليس بحق . أما إذا عرف وجه التأويل طبق التنزيل على التأويل ، فيصير نورا على نور يهدي اللّه لنوره من يشاء » اه وهذا القول الذي عزاه إلى أهل التحقيق باطل بعيد عن الحق ، وحكم على كتاب اللّه بما عابه من اتباع الظن ، وما أهل التحقيق في عرفه إلا نظار علم الكلام المبتدع وهو ظلمات بعضها على بعض ، ما ولد البدع المضلة إلا الاشتغال به ، وهذا التأويل الذي قال فيه ما قال لا يصح في اللغة ولا أصل له في كتاب اللّه ولا في سنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ولا في المأثور عن أصحابه [ رض ] ولا عن أئمة سلف الأمة كما ستراه قريبا واما التأويل في لغة القرآن فله معنى واحد لا معنى له سواه وهو عاقبة الشيء ومآله الذي يؤول إليه من بيان مصداقه المراد منه بالفعل كما قلنا آنفا وبيناه بالتفصيل في تفسير آية المحكمات والمتشابهات من سورة آل عمران التي أطال الرازي في الكلام عليها فأخطأ محجة الصواب ، وحرم الحكمة وفصل الخطاب ، فكان أجدر بالخطأ هنا وقد التزم الاختصار ، وأوضح الأدلة على ذلك بعد ما علمت من حمله التأويل على المعنى الاصطلاحي غفلته عن نفي إتيانه بحرف لما الدال على توقعه ، إذ معناه أن تأويله لم يأتهم إلى الآن وإتيانه متوقع بعده ، وغفلته عن تشبيه تكذيبهم بتكذيب من